في سابقة قضائية هي الأولى من نوعها قضت محكمة الاستئناف برئاسة المستشار/ نايف محمد المطيرات بتعويض إحدى المواطنات التي أبلغت عن شبهة فساد بجهة عملها بمبلغ 5000 د.ك تعويضاً عن الأضرار الأدبية التي لحقت بها، جراء ملاحقتها مدنياً من المبلغ ضده.
وتدور أحداث هذه الدعوى في قيام إحدى المواطنات بتقديم بلاغ لإدارة مكافحة الفساد للتحقيق في شبهة فساد مالي في جهة عملها وبعد أن تمت إحالة المتهمين لجهات التحقيق انتهت جهة التحقيق إلى حفظ البلاغ واستبعاد شبهة الجريمة.
وعلى إثر ذلك قام أحد المشكو ضدهم برفع دعوى تعويض ضد المواطنة تأسيساً على إساءتها لحق التقاضي في البلاغ المقدم منها ضده وانتهى القضاء إلى رفض دعواه، مما حد بالمواطنة هي الأخرى إلى إقامة دعوى تعويض ضد المشكو بحقه استنادا إلى إساءته لحق التقاضي بملاحقتها مدنياً واخلاله بالحماية القانونية التي أسبغها القانون للمبلغ عن جرائم الفساد وقد رفضت محكمة أول درجة الدعوى إلا أن محكمة الاستئناف قضت بإلغاء الحكم المستأنف وأجابت المواطنة إلى طلباتها.
وأكدت محكمة الاستئناف في حيثيات حكمها أنه من المقرر بنص المادة 37 من القانون رقم 2 لسنة 2016 بشأن إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد أن الإبلاغ عن جرائم الفساد واجب على كل شخص وحرية المبلغ وأمنه وسكينته مكفولة وفقاً لأحكام هذا القانون أو أي قانون آخر يقرر ضمانات أخرى في هذا الخصوص فلا يجوز المساس بالمبلغ بأي شكل من الاشكال بسبب البلاغ عن هذه الجرائم.
وذكرت المحكمة أن المادة 41 من ذات القانون نصت على أنه: – ((تشمل حماية المُبلغ على ما يلي)): ــ
1- توفير الحماية الشخصية للمبلغ وذلك بعدم كشف هويته أو مكان وجوده وتوفير الحراسة الشخصية له أو محل إقامة جديد إذا لزم الأمر.
2- توفير الحماية الإدارية والوظيفية للمبلغ وذلك بمنع اتخاذ أي إجراء إداري ضده وضمان سريان راتبه الوظيفي وحقوقه ومزاياه خلال الفترة التي تقررها الهيئة.
3- توفير الحماية القانونية للمبلغ وذلك بعدم الرجوع عليه جزائياً أو مدنياً أو تأديبياً متى استكمل البلاغ الشرط المبين في المادة 38 من هذا القانون
وفي هذا الصدد ذكرت المحكمة أن قانون إنشاء هيئة مكافحة الفساد على النحو المتقدم قد فرض الحماية للمبلغ بعدم الرجوع عليه سواء مدنياً أو جزائياً بل أوجب على هيئة مكافحة الفساد عدم الكشف عن اسم المبلغ أو هويته الشخصية وجعله حقاً شخصياً للمبلغ وذلك حتى لا يتم التعرض له أو التعريض به، كما أوجب الحماية الوظيفية له حتى لا ينال منه مسؤوليه في العمل، وأردفها بالحماية القانونية التي حمت المُبلغ من الرجوع عليه مدنياً أو جزائياً حتى لا يتعرض المشكو في حقهم له قضائياً.
وأردفت المحكمة أنه يتعين على الجميع احترام ذلك القانون بما جاء فيه من نصوص ولا يجوز التعدي عليه وإلا وصم من يتعدى عليه بالإساءة ومخالفته بل أن المشرع في المادة 42 من ذات القانون الزم الدولة بتعويض المبلغ أو ورثته عما يلحق به من أضرار مادية أو معنوية نتيجة تقديمه البلاغ.
وحثت المحكمة الهيئة العامة لمكافحة الفساد باحترام القانون المنشأ لها بالامتناع عن الكشف عن هوية المبلغ سواء للنيابة العامة أو لغيرها من الأفراد.
وانتهت المحكمة إلى أن فعل المستأنف ضده بقيامه برفع دعوى تعويض مدني ضد المستأنفة يمثل مخالفة لصريح القانون ورقم 2 لسنة 2016 بشأن إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد مما يعد مساساً بالحق الشخصي للمبلغة والذي يعد معه مسلكه انحراف عن السلوك المألوف الذي يلتزم به الشخص العادي من اليقظة والتبصر والمعرفة بنصوص القانون حتى لا يضر بالغير في مثل ذات الظروف مما رتب معه الضرر على المستأنفة بالتعدي عليها وعلى الحق الممنوح لها بموجب القانون ومن ثم يحق لها إقامة دعواها الماثلة بتوافر شروط المسؤولية التقصيرية قبل المستأنف ضده.
واختتمت المحكمة بالقول إن الاعتداء عن الحق الشخصي للمستأنفة والحماية التي فرضها المشرع وفقا لما سلف سبب لها من الأذى الحسي والمساس بسمعتها ومركزها الاجتماعي والأدبي، وصارت عرضه للاعتداء على حقها في السرية التامة وهو ما تستحق عنه التعويض والذي قدرته المحكمة بمبلغ 5000 دينار عن الأضرار الأدبية التي لحقت بها.




