مفهوم المسؤولية الجنائية للشركات وفق القانون الكويتي
ما هو الشخص الاعتباري؟ الشخص الاعتباري هو كيان قانوني مُستقل، ينشأ بموجب الإرادة الحرة للأفراد أو المؤسسات، وله الشخصية القانونية التي تجعله يتمتع بالحقوق والالتزامات. هذه الشخصية القانونية تتيح للشركات والمؤسسات القدرة على التعاقد، امتلاك الأموال، ورفع الدعاوى في المحاكم. لا تقتصر هذه المسؤولية على الأفراد بل تمتد لتشمل الكيانات القانونية ذات الصبغة المؤسسية.
ويُعتمد في هذه الحالات على مبدأ أن الشخص الاعتباري لا يُعتبر مجرد تابع لأعضائه، بل هو وحدة قانونية مستقلة تتمتع بالقدرة على ارتكاب الأفعال القانونية، سواء كانت حقوقية أو جنائية. ولكن على الرغم من هذا الاعتراف، فإن هذا الشخص لا يتمتع بالقدرة على ممارسة الإرادة الجنائية في معنى الجريمة، مما يثير بعض الأسئلة حول مدى تطبيق المسؤولية الجنائية عليه.
المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري: الفجوة القانونية في الكويت
في حين أن غالبية التشريعات الحديثة في العديد من الدول تتضمن أحكامًا متعلقة بتحمل الشخص الاعتباري المسؤولية الجنائية، تظل الكويت في موقف مميز؛ إذ إن المسؤولية الجنائية للأشخاص الاعتباريين لا تَحظى بتشريع شامل. على الرغم من أن بعض القوانين الكويتيّة قد تقر بإمكانية محاكمة الشركات على جرائم ارتكبها أفراد من داخلها، إلا أن هذا ليس قاعدة ثابتة.
الرفض والقبول في التشريعات الكويتية الجدير بالذكر أن بعض القوانين الكويتية تتبع نهجًا يرفض المسؤولية الجنائية عن الشركات بشكل قاطع. على سبيل المثال، تنص المادة 16 من القانون رقم 21 لسنة 1964 بشأن قانون مقاطعة إسرائيل على عدم تحميل الشخص الاعتباري المسؤولية الجنائية، حيث تُنفذ العقوبات على الأفراد المسؤولين عن ارتكاب الجريمة في إطار الكيان القانوني.
ومع ذلك، تَقبل بعض القوانين الأخرى في الكويت المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري في حالات معينة. من أبرز هذه القوانين:
- قانون مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب (رقم 106 لسنة 2013): يفرض على الشركات مسؤولية قانونية في مواجهة ارتكاب جرائم غسيل الأموال أو تمويل الأنشطة الإرهابية.
- قانون إنشاء هيئة سوق المال رقم 7 لسنة 2010: يقرّ المسؤولية الجنائية على الشركات التي تتورط في مخالفات سوق المال مثل التلاعب في الأسعار أو الاستثمارات الاحتيالية.
- قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015: يُحاسب الشركات التي تقوم باستخدام أو تسهيل استخدام التقنيات في الجرائم الإلكترونية مثل الاحتيال على الإنترنت أو سرقة البيانات.
أوجه المسؤولية الجنائية التي يمكن أن تتحملها الشركات الشركات قد تتحمل المسؤولية الجنائية في العديد من الحالات. وفيما يلي عرض موسّع لبعض الجرائم التي قد تلاحق الشركات:
- الجرائم المالية: تتضمن الشركات في هذا المجال مسؤوليتها عن التهرب الضريبي، غسل الأموال، تزوير المستندات التجارية، وغيرها من المخالفات المالية التي تهدد الاستقرار الاقتصادي للبلاد. وتشمل هذه الجرائم أيضًا الاحتيال في العروض المالية أو استغلال الأوضاع المالية للشركات في تحقيق مكاسب غير قانونية.
- الجرائم البيئية: قد تُعتبر الشركات مسؤولة في حال تسببها في تلوث البيئة أو مخالفة القوانين المتعلقة بحماية البيئة، مثل التخلص غير المشروع من النفايات أو تجاوز المعايير البيئية المعتمدة في مصانعها أو عملياتها التجارية.
- انتهاك حقوق العمال: يشمل ذلك الإخلال بحقوق العمال من حيث الأجور، شروط العمل، أو المعاملة غير الإنسانية. يمكن تحميل الشركات المسؤولية إذا كانت تُسهم في تمييز أو استغلال العمال أو مخالفة قوانين العمل المعمول بها في القطاع الخاص.
- المسؤولية عن الجرائم الإلكترونية: مع تطور الأنشطة التجارية الرقمية، تزايدت مسؤولية الشركات عن الجرائم الإلكترونية التي قد يرتكبها موظفوها أو مستخدمو منصاتها. تشمل هذه الجرائم اختراق الأنظمة، سرقة البيانات الشخصية، الاحتيال الإلكتروني، والتشهير أو القذف عبر الإنترنت.
- الفساد وتقديم الرشاوى: يعد الفساد من أكثر القضايا الحساسة في الشركات، ويمكن تحميل الشركات المسؤولية الجنائية إذا ثبت تورطها في قضايا الرشوة أو سوء استخدام المناصب لتحقيق مكاسب مالية أو تجارية غير قانونية.
- التلاعب بالأسواق وحماية المستهلك: تشمل مخالفة قوانين حماية المستهلك، مثل بيع منتجات غير مطابقة للمواصفات أو التلاعب بأسعار السلع، مما يعرض الشركات إلى جزاءات قانونية قد تصل إلى فرض غرامات مالية أو فرض عقوبات بالحبس على الأفراد المسؤولين.
في ضوء مستجدات القانون الكويتي
من المتوقع أن يتجه المشرع الكويتي نحو تطوير التشريعات التي تخص المسؤولية الجنائية للأشخاص الاعتباريين في المستقبل، بالنظر إلى تنامي الجرائم الاقتصادية وارتفاع معدلات التلاعب والتقنيات الحديثة المستخدمة في الجرائم الإلكترونية. كما أن التوجه الدولي في هذا المجال يسير نحو تعزيز المسؤولية الجنائية للشركات لضمان تقوية آليات الرقابة والمساءلة في الشركات الكبرى والصغرى على حد سواء.
دور مركز الأربش الدولي للمحاماة والاستشارات القانونية
مركز الأربش الدولي للمحاماة والاستشارات القانونية، الذي يُعتبر من أبرز المراكز القانونية المتخصصة في الكويت، يقدم لعملائه المشورة القانونية المتكاملة بشأن المسؤولية الجنائية للشركات. من خلال فهمنا العميق للتحديات القانونية المعقدة التي تواجه الشركات، نعمل على تقديم الحلول القانونية الفعّالة التي تضمن التزام الشركات بكافة اللوائح والأنظمة القانونية المحلية والدولية.
نحن في مركز الأربش نسعى لدعم عملائنا في تجنب التعرض للمسؤولية الجنائية، من خلال استشارات قانونية متخصصة، وتوجيهات مستمرة فيما يتعلق بالامتثال لقوانين مكافحة الفساد، حماية المستهلك، والجرائم الإلكترونية، وغيرها من المجالات التي قد تؤثر على الوضع القانوني للشركات.
المراجع:
- قانون رقم 21 لسنة 1964 بشأن مقاطعة إسرائيل.
- قانون رقم 117 لسنة 2013 بشأن الإشراف على الاتجار بالسلع والخدمات.
- قانون مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 106 لسنة 2013.
- قانون إنشاء هيئة سوق المال رقم 7 لسنة 2010.
- قانون العمل في القطاع الأهلي رقم 6 لسنة 2010.
- قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015.
- قانون حماية المستهلك رقم 39 لسنة 2014.

Suaad Altaweel
Bachelor’s and master’s degree in international law with honors from Northumbria University in the United Kingdom


